الذمة وجواز السلم في العقار

اتفق الفقهاء على جواز التعاقد على ما يثبت في الذمة كما اتفقوا على امتناعه فيما لا يثبت في الذمة، كالدور والعقار.وما مثلوا بها من الدور والعقار ونحوها ، هل التمثيل بها وقع لمعنى فيها أم أنها من قبيل ما لا يتصور أن يثبت في الذمة في ذلك الوقت؟ فمع أن الفقهاء كادوا أن يتفقوا قاطبة على التمثيل بالعقار والدور وعدم ثبوتها في الذمة يظهر أن التمثيل جاء لمعنى فيها، وبيان ذلك أن المبيعات إما أن تباع على الوصف وإما على المشاهدة، ثم ما بِيع على الوصف إما أن يكون له وجود حقيقة وإما أن يؤول إليه قريبا.
فالعقار من قبيل الموجود المشخص حقيقة وعليه فإنه لا يثبت في الذمة إذ هو خارج عن نطاق الموصوف، إذ ما تباع موصوفا في الذمة وجب أن يضبط بالصفات التي يختلف به الثمن. فإن وصف بما يضبط صفاته وجب أن يوصف بحدوده، ويختلف الثمن بذلك، وحاصل هذا أنه يصبح من قبيل الموجود المعين لا الموصوف في الذمة، وإن لم يوصف بها كان من قبيل المجهول، وبالتالي لم يجز بيعه. فالقول ببيع شيء في الذمة مع اشتراط كونه موصوفا بما يعينه من قبيل الجمع بين المتنافرين الذي يأباه الشرع ولهذا المعنى قال العلماء (الأعيان لا تثبت في الذمة فما كان معينا موجودا لا يمكن أن يباع إلا إذا كان في ملكية البائع، فمن
باع معينا لا يملكه وقع في المحظور قطعا دون خلاف .

طالع أيضا إجراءات الحجز على العقار ووضعه تحت يد القضاء

أما إن كان يملكه وقت التعاقد فالظاهر من كلام الفقهاء أن ذلك لا يجوز لما سبق، وهنا محل سؤال: هل إذا انتفت علة المنع في العقار – وهي كونه لا يثبت في الذمة لأنه معين والمعين يخالف الموصوف- كأن يقسمه البائع إلى وحدات متساوية الحدود والصفات، ففي هذه الحالة هل يجوز أن يبيعه سلما، إذ الوحدة العقارية هنا غير معين لتعدد أمثاله؟

من الفقهاء من جوّز ثبوت العقار في الذمة إذا كان النصف فأقل، إذ يكون له حينئذ مثل في الصورة، ومثلوا له بمن أقرض عقارا، فإن القرض لا يجوز بما لا يثبت في الذمة، إذا القرض يقع على البدل، والثابت في الذمة وصف شاغل لها لا يتصور أن يقبض وإنما يقبض ما يعادلها. فقالوا إن قرض النصف فأقل جائز لوجود المثل الصوري، أي بدله في النصف الآخر.
وصلة هذه المسألة بما نحن فيه هي كون ما علّل به من امتناع السلم في العقار كون العقار لا يجوز قرضه، فلازم القول عند انتفاء العلة بكونه نصفا فأقل أن يجوز قرضه، وعليه يجوز السلم فيه .
وهذا التلازم قد ذكره بعض العلماء مع التعليق عليه بالمنع ، وعلّل المنع في النصف فأقل بأمرين هما: عزة الوجود – وهو منتف هنا، وكون القرض يقع على الاستبدال فالمقرض قد لا يرضى به. فتنزيل لهذا على صورة السلم فإن المنع أولى فيه حيث وإن وجد المثيل من وحدة عقارية أخرى إلا أنه لا يمكن أن يقع عليه التراضي لاختلاف الصفات المؤثرة في القيمة.
فالوحدة العقارية، وإن كانت غير معينة من حيث النوع، إلا أنه معين من حيث الحدود والمكان، وهذا التعيين مقدم على وجود المثل الصوري من نوعه الذي قد يثبت في الذمة، إذ الأعيان والذمم إذا تقابلت كانت الأعيان مقدمة على الذمم. فإن الحدود من أكبر ما تؤثر في سعر الأرض، والاختلاف في الأسعار يؤثر في التماثل. فلو لم يوجب تحديد الحدود اختلافا في قيمة العقار لما اشترط العلماء تحديدها عند الدعوى فإنها تغني عن ذكر القيمة، ولما أوجب جمع من العلماء شفعة الجار لضرر.

طالع أيضا الحجز على العقار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *